ابن أبي شريف المقدسي
167
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
كل الوجوبات تثبت ابتداء جبرا بحكم المالكية ) أي : مالكيته تعالى المقتضية لاستحقاق امتثال الأمر والنهي ، دون أمر يتوقف عليه الوجوبات ، بل هي متعلقة أزلا بمتعلقاتها من أفعال العباد دون ترتيب ، إذ الترتيب ينافي الأزلية ، ( ولكن يتوقف تعلقها ) أي : تعلق الوجوبات التنجيزي « 1 » ( على فهم الخطاب ) أي : المخاطبة ( بالإبلاغ ) أي : إبلاغ العباد أن اللّه تعالى أوجب عليهم كذا وكذا ، ( وقد تحقق ) أي : ثبت ( كل ذلك ) أي : كل من الوجوب والتعلق والفهم ( في حق من أخبره بذلك ) الإيجاب ( مخبر لانتفاء الغفلة ) عنه ( بذلك ) الإخبار ( غير أن هذا التعلق ) يعني تعلق الوجوبات بالمكلفين تنجيزا ؛ قد يكون تعلقا بالواجب الذي هو النظر في دليل صدق المبلّغ في دعواه النبوة ؛ وقد يكون تعلقا بغير ذلك النظر من الواجبات « 2 » . فأما تعلق الوجوب ( في غير الواجب ) أي : بالنسبة إلى غير الواجب ( الذي هو النظر في دليل صدق المبلغ في دعواه النبوة من الواجبات ) فإنه ( يتحقق ) أي : يثبت ( بعد ثبوت صدقه ) أي : المبلغ ( في دعوى النبوة ) فقوله : « من الواجبات » بيان لغير الواجب المذكور ، وقوله : « يتحقق » خبر « لأن » . ( وأما ) تعلق الوجوب ( فيه ) أي : في النظر في المعجزة ( نفسه ) باعتباره « 3 » ( فبمجرد الإخبار به ) أي : بذلك الوجوب ( لا يعذر ) المخاطب بالخبر ( في عدم الالتفات إليه بعد ما جمع له من الإبلاغ وآلة الفهم وهو العقل المجوّز لما ) أي : لصدق ما ( ادعاه ) الخبر ( لأنه ) أي : عدم الالتفات إليه بعد ما جمع من الأمرين ( جري على خلاف مقتضى نعمة العقل ) فإن مقتضاها استعمالها في جلب ما ينفع ودفع ما يضر ، ( فلا يعذر فيه ) أي : في عدم الالتفات المذكور . ولحجة الإسلام في كتابه « الاقتصاد » « 4 » كلام موضح لهذا المحل ملخصه : أن الوجوب معناه رجحان الفعل على الترك لدفع ضرر في الترك موهوم أو معلوم ،
--> ( 1 ) تعلق الوجوب التنجيزي : هو تعلق الإرادة القديمة بحسب الأوقات المعينة ، وهناك التعلق الصلوحي وهو تعلق الإرادة القديمة وتجددها وقت الحدوث ، وهو ما يعبر عنه بتعلق التكوين الأزلي المعبر عنه بالاختيار . ( 2 ) وأمثلته التعلق ببقية الأحكام : فالتعلق بالندب كالاقتداء بالمبلغ في بعض أحواله ، وقد يكون تعلقا بالحرام كالإعراض عن المبلغ ، وهكذا في باقي الأحكام . ( 3 ) في ( ط ) : بانتباه . ( 4 ) انظر : الاقتصاد في الاعتقاد ، ص 212 .